ملخـص
يقارن التحليل مقدمات الحربين العالميتين بسجل أكتوبر 2026 في خمس ساحات صراع، مستنداً إلى ثمانية مؤشرات على الحرب العامة. يظهر السجل تسارع التسلح وتآكل منظومة الحد منه، لكنه لا يُظهر تفعيل الالتزامات التحالفية أو صداماً مباشراً بين القوى الكبرى، وهما من الآليات التي وسّعت الحروب السابقة. وتشمل قائمة الرصد تفعيل الفصائل المسلحة، والتصعيد في البحر الأحمر، ومواجهة القوى الكبرى، والقيود النووية، والقرن الأفريقي، ومضيق تايوان. يقدّم التاريخ إشارات تحذير لا تنبؤاً حتمياً؛ إذ تظل الخيارات الحاسمة في يد القادة السياسيين.
الملخص التنفيذي
سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية ظروفٌ بعينها، والسؤال الذي يختبره هذا التحليل على السجل هو ما إذا كان عالم أكتوبر 2026 يحمل هذه الظروف اليوم. وللإجابة عنه، يعيد التحليل بناء لحظتي الاندلاع من واقع الدراسات التاريخية، ويستخلص من أدبيات العلاقات الدولية ثمانية مؤشرات على الحرب العامة، ثم يقرأ على ضوئها سجل الحاضر في خمس ساحات، هي أوكرانيا وإيران واليمن والبحر الأحمر وإثيوبيا ومضيق تايوان، إلى جانب مستوى منظومي يشمل الإنفاق العسكري والمعاهدات والعقوبات وحق النقض.
مؤشرات التسلح تتحرك. إذ يقدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري العالمي بـ2.9 تريليون دولار في عام 2025، فيما انتهت في 5 فبراير 2026 صلاحية معاهدة نيو ستارت، آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة.
ولا يقل أهمية عن ذلك ما يغيب عن السجل، فالتشابك بين التحالفات والصدام المباشر بين القوى الكبرى، وهما الآليتان اللتان حوّلتا الحروب الإقليمية إلى حرب عامة في عامي 1914 و1941، غائبان عن سجل أكتوبر في الساحات الخمس كلها.
وتقف قراءة كريستوفر كلارك ومارغريت ماكميلان لعام 1914، بوصفه سلسلة من الخيارات كان من الممكن أن تمضي على نحو مختلف، في وجه التعامل مع المؤشرات على أنها تنبؤ. ولا أحد من المؤرخين أو المنظّرين أو محللي أكتوبر يقول إن حرباً عالمية ثالثة قد بدأت، ولا إنها لم تبدأ.
التاريخ يتحدث
الالتزام بالحلفاء
أزمة البلقان ← تعبئة الجيوش ← حرب عامة
اندماج ساحات الحرب
حروب إقليمية ← صدام القوى الكبرى ← صراع عالمي
قرارات لم تُتخذ بعد
تصاعد التسلح؛ لا يظهر السجل الآليتين الحاسمتين
كيف اندلعت حرب 1914
دخلت أوروبا عام 1914 منقسمةً بين التحالف الثلاثي الذي جمع ألمانيا والنمسا-المجر وإيطاليا، والوفاق الثلاثي الذي جمع فرنسا وروسيا وبريطانيا. ويضع غلين سنايدر، في كتابه سياسة التحالفات، مكمن الخطر في الشك أكثر منه في التكتلات ذاتها. فقد ساورت كل عاصمةٍ الهواجسُ حول ما إذا كان شركاؤها سيثبتون على مواقفهم متى استُدعي التزام تعاهدي، وكان هذا الغموض تحديداً، بحسب قراءته، هو ما دفع صنّاع القرار نحو إدارة للأزمات عالية المخاطر.
جاءت الالتزامات غير متكافئة، وهشّة عند طرفها الإيطالي. فبموجب التحالف الثنائي لعام 1879، التزمت ألمانيا بمساعدة النمسا-المجر في مواجهة روسيا، بينما لم تتعهد فيينا إلا بالحياد الودّي إن هاجمت فرنسا ألمانيا، وهي معاهدة ربطت برلين بالبلقان، حيث تصادمت المصالح النمساوية والروسية. انضمت إيطاليا عام 1882، ووقفت على الحياد عام 1914، ثم بدّلت معسكرها عام 1915. أما الوفاق فقد تشكّل على مراحل، في أعوام 1894 و1904 و1907، وربط أعضاءه سياسياً أكثر مما ربطهم عسكرياً، وتحت ذلك كله سارت جداول تعبئة كان يصعب إيقافها متى بدأت، ونظراً لكون التعبئة تكاد تعادل إعلان الحرب، فقد أعاقت هذه الجداول أي محاولة لخفض التصعيد.
كانت المقدمات قصيرة. ففي 28 يونيو 1914، اغتال قومي صربي بوسني الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو. وفي 5 و6 يوليو منحت ألمانيا فيينا "شيكها على بياض"، أي دعماً غير مشروط لأي خطوة تختارها ضد صربيا، فاتخذت فيينا بدورها موقفاً متشدداً. وقد صيغ الإنذار النمساوي-المجري الصادر في 23 يوليو كي يُرفض، وحين قبلت صربيا معظم بنوده بعد يومين في رد جاء تصالحياً على نحو مفاجئ، قطعت فيينا العلاقات رغم ذلك، وأعلنت الحرب في 28 يوليو وقصفت بلغراد. أعلنت روسيا التعبئة في 30 يوليو. وكان لهذه الخطوة وزنها، حيث أن خطة شليفن قامت على افتراض بطء روسيا. فأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا في 1 أغسطس وعلى فرنسا في 3 أغسطس، واجتاحت بلجيكا المحايدة في طريقها، لتعلن بريطانيا، بصفتها ضامنة لبلجيكا، الحرب في 4 أغسطس.
تحت الأزمة كانت ترقد سنوات من التنافس في البحر. إذ استهدفت قوانين البحرية الألمانية لعامي 1898 و1900، التي دفع بها الأدميرال ألفريد فون تيربيتز والقيصر فيلهلم الثاني، نسبةً قدرها 2:3 في السفن الحربية الرئيسية مقابل البحرية الملكية البريطانية، وهي نسبة اعتقدت برلين، وفق رواية نيكولاس لامبرت، أنها ستمنحها "فرصة قتالية حقيقية في حرب دفاعية". ثم جاءت السفينة الحربية البريطانية دريدنوت عام 1906 لتعيد ضبط السباق. وحتى بعد القانون الألماني لعام 1908 و"ذعر البحرية" البريطاني عام 1909، كانت بريطانيا لا تزال تملك عند اندلاع الحرب 45 بارجة وطراداً قتالياً من فئة دريدنوت في الخدمة أو قيد البناء، مقابل 26 لألمانيا. ووفق قراءة لامبرت، لم يكن السباق سبباً مباشراً لشيء. إلا أنه فاقم ريبةً كان الطرفان يحملانها أصلاً.
ويتتبع بول كينيدي، في كتابه صعود القوى العظمى وسقوطها، الصراع ذاته في ميدان البراعة الصناعية. فقد تجاوز إنتاج الصلب الألماني نظيره البريطاني بحلول عام 1900، وبحلول عام 1913 كانت ألمانيا تصنع نصف السلع الكهربائية في العالم وتهيمن على صناعتي الكيماويات والأصباغ الصناعية. واصطدمت فلتبوليتيك، أي سياستها العالمية، بالإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية. فقد رسّخت الأزمتان المغربيتان في عامي 1905 و1911 تماسك الوفاق، وحوّلت حربا البلقان في عامي 1912 و1913 المنطقة إلى برميل بارود، فيما باتت بريطانيا وروسيا وفرنسا تنظر إلى سكة حديد برلين-بغداد بوصفها تهديداً. ويبقى حجم دور الإمبراطورية موضع خلاف. فمسح آنيكا مومباور يسجّل الرأي القائل بأن معظم النزاعات الاستعمارية المباشرة بين بريطانيا وألمانيا كانت قد سُوّيت بحلول عام 1914، في حين يرى كينيدي أن انعدام الثقة الذي خلّفته قد أثقل أي مخرج دبلوماسي من أزمة يوليو.
ثم كان هناك البشر. فقد أدار المستشار تيوبالد فون بيتمان هولفيغ "مخاطرة محسوبة" على أن تبقى الحرب محصورة في البلقان. وتضع أعمال شون ماكميكين الشرف في قلب القرار، حيث كان الوقوف إلى جانب الحليف أمراً حتمياً لألمانيا، كما كانت حماية صربيا أمراً حتمياً لروسيا. ويضيف دومينيك ليفن إلى ذلك الخوفَ الداخلي، الخوف من الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا، والخوف من فقدان الشرعية لدى نظام قيصري ظل هشاً بعد أحداث 1905، وإن كان ليفن يطرح هذا الادعاء بحذر، ويبقى مداه موضع جدل.
بعد أكثر من قرن، لم تستقر الكتابة التاريخية بعد. فقد جادل فريتز فيشر في ستينيات القرن الماضي بأن ألمانيا أشعلت الحرب عمداً سعياً إلى الهيمنة على أوروبا، مستنداً إلى برنامج سبتمبر لعام 1914، في حين يدافع كريستوفر كلارك في كتابه السائرون نياماً عن مسؤولية مشتركة تشمل صربيا وروسيا، ويصف الحرب بأنها مأساة سوء تقدير، وينفي عنها صفة الجريمة التي ارتكبها معتدٍ واحد. وتشدد مارغريت ماكميلان، في كتابها الحرب التي أنهت السلام، على عامل المصادفة، مع تحميلها النمسا-المجر وألمانيا قدراً أكبر من اللوم. أما أطروحة أ.ج.ب. تايلور عن السكك الحديدية فترى أن الجداول الزمنية كان يكاد يستحيل إيقافها، فيما يحوّل ماكميكين من جهته المسؤولية نحو روسيا، بتشجيع فرنسي. وفي حقيقة الأمر، لم تتغلب قراءة واحدة على سواها.
كيف اندلعت حرب 1939
هذه المرة، كانت الأهداف مكتوبة سلفاً. فقد دعا كتاب كفاحي والبرنامج ذو النقاط الـ25 لحزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني إلى تمزيق معاهدة فرساي، وتوحيد جميع ذوي الأصول الألمانية، والاستيلاء على المجال الحيوي في الشرق، مع تسمية روسيا صراحة. وفي مذكرة هوسباخ لعام 1937، التي تسجلها أعمال غيرهارد واينبرغ، قال هتلر لقادته إن المهمة هي "تأمين المجتمع العرقي والحفاظ عليه وتوسيعه"، وهي "مسألة مجال" لا تحلها إلا القوة.
استغرق التسلسل عقداً كاملاً. إذ يقرؤه جاك ليفي ومانوس ميدلارسكي سلسلةً من الحروب الإقليمية لم تلتحم إلا لاحقاً. استولت اليابان على منشوريا عام 1931 وغزت الصين عام 1937، وغزت إيطاليا الحبشة عام 1935، ثم غزت ألمانيا بولندا في 1 سبتمبر 1939، وبين هذه المحطات جاءت منطقة الراين عام 1936 والنمسا عام 1938، وهما خطوتان يجد جاك سنايدر أنهما لاقتا شعبية جارفة في الداخل.
سياسة الاسترضاء هي قلب القصة، وموضع الخلاف فيها. فقد وصفها المدافعون عنها بالحكمة، مستندين إلى ذاكرة الحرب السابقة، والشعور بالذنب إزاء معاهدة فرساي، والكساد الكبير، وإلى خوف أكبر من الشيوعية لدى أوساط من المؤسسة البريطانية. ويرى غيرهارد واينبرغ وريتشارد أوفري أنها كانت محكومة بالفشل، إذ أن هتلر سعى إلى الهيمنة على أوروبا، وما كان لأي تنازل أن يرضيه. وردّ تايلور بأن هتلر كان رجل دولة ألمانياً تقليدياً يستغل ما يتاح له من فرص، وأن الحرب كانت مدينة لأخطاء قادة الحلفاء بقدر ما كانت مدينة لعدوان هتلر نفسه، وقد تعرضت أطروحته منذ ذلك الحين لانتقادات واسعة.
اندمجت الحروب في حرب واحدة عام 1941. فقد امتدت حرب آسيا من منشوريا عبر الصين، وبدأت حرب أوروبا في بولندا، وبحسب ليفي وميدلارسكي، كان الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي في يونيو والهجوم على بيرل هاربر في ديسمبر هما ما صهراهما في صراع عالمي واحد.
ما المؤشرات التي نقرؤها؟
نظراً لكون التحالفات والتسلح جزءاً لا يتجزأ من لحظتي الاندلاع، فمن الحكمة قراءة الحاضر على ضوء مؤشرات سبق أن اختبرتها الدراسات على الماضي. وتستخلص أدبيات العلاقات الدولية ثمانية مؤشرات على حرب عامة قيد التشكل.
استقطاب التحالفات وتشابكها.
يربط جون فاسكيز وستيفن والت وغلين سنايدر بين التكتلات الجامدة والتصعيد. إذ يرى سنايدر أن التشابك حاصر صنّاع القرار عام 1914، بينما تفسر نظرية والت في توازن التهديد كيف تشكّل الحلفاء في مواجهة القوى التعديلية.
سباقات التسلح ونموذج ريتشاردسون.
صاغ لويس فراي ريتشاردسون سباق التسلح في معادلتين تفاضليتين، يأتي فيهما إنفاق كل طرف رداً على إنفاق الآخر. ويصف مايكل ماكغينيس النموذج بأنه مفرط في التبسيط، أقدر على وصف السباقات الماضية منه على التنبؤ بالجديد منها، فيما يرى بول ديهل أن الحرب لا تأتي تلقائياً عقب التصعيد، حيث أن قرارات القادة تبقى هي الحاسمة.
التحول في الهيمنة.
يقرأ روبرت غيلبين وبول كينيدي عام 1914 بوصفه صعود ألمانيا في مواجهة بريطانيا المهيمنة. ويحصي غراهام أليسون 12 حرباً في 16 حالة مماثلة على مدى 500 عام، بينما يرى أ.ف.ك. أورغانسكي أن الحرب تبلغ ذروة احتمالها حين تقترب قوة صاعدة غير راضية من القوة المتصدرة.
النموذج الحلزوني والمعضلة الأمنية.
يبيّن روبرت جيرفيس وتشارلز غلاسر وستيفن فان إيفيرا كيف يُقرأ التعزيز الدفاعي لدولة ما تهديداً لدى خصمها، في دوامة قد تنتهي بالحرب حتى حين لا تكون أي دولة قد سعت إلى خوضها.
الترابط التجاري وحدوده.
جادل نورمان أنجيل في كتابه الوهم الكبير بأن الحرب باتت أكثر كلفة من أن تُخاض، وأثبت عام 1914 أن جداله ذهب سدى. ويأتي رد ديل كوبلاند في صورة مفارقة من نوع ما، حيث أن الترابط العالي يحفظ السلام ما دامت الدول تتوقع استمرار التجارة، ويتحول إلى دافع للحرب حين يتبدد هذا التوقع. وتجد كاثرين باربييري أن الأثر يتوقف على طبيعة العلاقة وعلى التجارة ذاتها.
الحرب التحويلية.
يصف جاك ليفي وجاك سنايدر قادةً يواجهون اضطرابات داخلية فيلجؤون إلى القوة في الخارج، ويجد سنايدر أن الدول التي تمر بمرحلة تحول ديمقراطي أكثر عرضة لذلك. ويطرح ليفي كذلك الاعتراض، وهو أن الدول التي تعاني متاعب داخلية جسيمة غالباً ما تنهكها هذه المتاعب، فتقل فرص نجاحها في حرب خارجية.
تآكل الحد من التسلح ومؤسسات الكبح.
نظّم مؤتمرا لاهاي لعامي 1899 و1907 الحرب دون أن يفعلا شيئاً لإحباطها، وفي ثلاثينيات القرن الماضي تنصّلت ألمانيا من بنود نزع السلاح في معاهدة فرساي، بينما كانت المعاهدات البحرية التي أُبرمت في العشرينيات تتفكك.
كيف تتحول الحرب الإقليمية إلى حرب منظومية.
يتعامل ليفي ومانوس ميدلارسكي مع انتشار الحرب على أنه يتبع أنماطاً يحددها القرب الجغرافي والروابط التحالفية وحسابات القوى الكبرى. ويجد ميدلارسكي أن الحرب المنظومية تكون أرجح في ظل استقطاب عالٍ مع وجود منافس صاعد.
أين يقف العالم اليوم
روسيا وأوكرانيا.
قدّر معهد دراسة الحرب في 10 أكتوبر 2026 أن ادعاءات روسيا بالتطويق مبالغ فيها، وأن تكتيكاتها من غير المرجح أن تحقق اختراقاً، في وقت استعادت فيه عملية "فيفالدي" الأوكرانية 175 كيلومتراً مربعاً حول ليمان، وفق ما أفادت الجزيرة في 9 أكتوبر. ويتحدث الجيش الأوكراني عن رقم قياسي بلغ 46,230 إصابة في صفوف الروس خلال سبتمبر. ضربت روسيا 12 منطقة بـ130 مسيّرة و48 صاروخ كروز في 7 أكتوبر. وتقول وزارة الدفاع الأوكرانية إن حملتها على خطوط الإمداد الروسية أصابت في سبتمبر عدداً قياسياً من منظومات الدفاع الجوي.
إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
انهار وقف إطلاق النار في يوليو 2026، وبقي التوتر بين الثلاثة مرتفعاً. وذكرت صحيفة ديلي ستار في 10 يوليو أن الضربات الأميركية على نحو 90 هدفاً عسكرياً خلال ذلك الشهر أسفرت عن مقتل 17 شخصاً في إيران، بينما حذّرت إيران، بحسب وكالة الأناضول في 6 أكتوبر، من "رد أقوى" على أي هجوم جديد، ولوّحت بادعاء أن قدرتها على إنتاج السلاح ارتفعت 2.5 مرة. وخلص معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في أكتوبر إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران تتجنب القوات الأميركية في الوقت الراهن. إلا أنها قد تُفعَّل، بحسب تقديره، إذا تحركت واشنطن على نحو أكثر مباشرة ضد إيران.
الحوثيون والبحر الأحمر والسعودية.
وجدت مجموعة الأزمات الدولية، عبر مجلس العلاقات الخارجية، أن المحادثات عبر القنوات الخلفية تجري دون تقدم ملموس، وأن زيارة حوثية إلى الرياض في سبتمبر لم تسفر عن أي اختراق، وذلك في الشهر نفسه الذي أدان فيه مجلس الأمن الدولي، في 18 سبتمبر، "التصعيد العسكري الحوثي المستمر في اليمن". وتفيد التقارير بأن الضربات الحوثية أصابت 73 شخصاً في جنوب السعودية خلال ذلك الشهر، فيما تعرضت ثلاث سفن للهجوم بين 9 أغسطس و9 سبتمبر، وقُتل أربعة بحارة في 11 أغسطس. في 5 أكتوبر وحده، ضرب التحالف بقيادة السعودية تعزيزات حوثية 97 مرة.
إثيوبيا والقرن الأفريقي.
استعادت القوات الاتحادية مدينة مقلي في 3 أكتوبر، بعد أن جرّ هجوم شنّته جبهة تحرير شعب تيغراي على إقليمي أمهرة وعفر تحالفاً من سبع جماعات متمردة إلى القتال، وهو قتال تردّه الجزيرة إلى توترات تركها اتفاق بريتوريا لعام 2022 دون حسم. وترى تشاتام هاوس الجبهة مدفوعة بأزمة شرعية وضائقة اقتصادية، والحكومة الاتحادية أكثر حساباً هذه المرة في أفعالها وفي خطابها. وبعد غارة جوية نُسبت إلى قوات الدفاع الوطني الإثيوبية على مقلي في أغسطس أصابت 13 مدنياً، سبعة منهم أطفال، دعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى التحقيق في جرائم حرب، فيما أحصى مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ما بين 15 و17 ضربة بالمسيّرات على ألاماتا في 22 سبتمبر. وشرّد القتال المتجدد نحو 150,000 شخص بحلول نهاية سبتمبر، بحسب فورين بوليسي.
الصين وتايوان ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في 10 أكتوبر 2026، دعا الرئيس لاي تشينغ-تي ديمقراطيات المحيطين الهندي والهادئ إلى "توحيد قواها". وقال في الخطاب ذاته، الذي رحّب أيضاً بالحوار بين واشنطن وبكين: "لا نهدف من زيادة الاستثمار في الدفاع الوطني إلى الاستفزاز. هدفنا ردع الحرب". ورصدت وزارة الدفاع التايوانية 12 طائرة تابعة لجيش التحرير الشعبي و6 سفن تابعة لبحريته يومي 10 و11 أكتوبر، فيما تتحدث الجزيرة عن ميزانية قياسية لعام 2027 تبلغ 1.1 تريليون دولار تايواني جديد (34.5 مليار دولار)، أي أكثر من 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويقدّر مجلس العلاقات الخارجية أن خسارة شركة تي إس إم سي ستُحدث اضطراباً بقيمة 1 تريليون دولار.
المستوى المنظومي.
يقدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الإنفاق العسكري العالمي بـ2.9 تريليون دولار في عام 2025، أي 2.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ونقل الأسلحة خلال الفترة 2021-2025 بزيادة 9.2 بالمئة عن الفترة 2016-2020، مع تضاعف واردات أوروبا أكثر من ثلاث مرات. ويتوقع حلف شمال الأطلسي أن ينفق أعضاؤه الأوروبيون وكندا 634 مليار دولار في عام 2026، أي 2.53 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. انتهت صلاحية معاهدة نيو ستارت في 5 فبراير 2026. وكان ذلك، بتعبير مجلس العلاقات الخارجية، نهاية حقبة من الحد الثنائي من الأسلحة النووية. وتشمل عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، في جملة ما تشمله، التجارة والمجال الجوي والموانئ ووصول عدد من المصارف إلى نظام سويفت، وفي أكتوبر ناقشت الجمعية العامة للأمم المتحدة استخدام الصين وروسيا حق النقض ضد مشروع قرار مدعوم أميركياً بشأن فريق للعقوبات يتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية.
وبقراءة السجل على ضوء المؤشرات الثمانية، يظهر تحرك ملموس على اثنين منها، هما سباق التسلح وتآكل الحد من التسلح، يضاف إليهما حرب اقتصادية على روسيا من النوع الذي تتناوله نظرية كوبلاند. ولا يظهر فيه انضمام جديد إلى أي تحالف، ولا استدعاء لأي التزام تعاهدي، ولا تبادل لإطلاق النار بين القوى الكبرى. ولا يتصل شيء في سجل أكتوبر بميزان القوة بين أميركا والصين، ومن ثم يتعذر قراءة مؤشر التحول في الهيمنة، ولا يطبّق أي من محللي الساحات الخمس نظرية الحرب التحويلية على أي حكومة قائمة.
قائمة الرصد
تفعيل الفصائل العراقية المدعومة من إيران، وهو ما يربطه معهد واشنطن بتحرك أميركي أكثر مباشرة ضد إيران.
ضربات التحالف بقيادة السعودية على التعزيزات الحوثية، ورد الحوثيين في البحر.
أي تبادل لإطلاق النار بين القوى الكبرى، وهو المنعطف الذي يضعه ليفي وميدلارسكي بين الحرب الإقليمية والحرب المنظومية.
التوصل إلى معاهدة تخلف نيو ستارت، واستخدامات أخرى لحق النقض في مجلس الأمن على غرار ما جرى في أكتوبر.
ما إذا كانت حرب الجماعات السبع في إثيوبيا ستتمدد خارج تيغراي وأمهرة وعفر إلى بقية القرن الأفريقي.
أعداد طائرات جيش التحرير الشعبي وسفنه التي ترصدها تايوان، مقارنةً بـ12 طائرة و6 سفن يومي 10 و11 أكتوبر.
اليوم تاريخ الغد
إذا قُرئ التاريخ قراءة وافية، فإنه يقدّم تحذيراً ويتوقف دون التنبؤ. فالذي جعل حربي 1914 و1941 حرباً عامة هو التزام تحالفي جرى استدعاؤه وقوى كبرى تطلق النار على بعضها، وفي أكتوبر 2026 لا يُظهر السجل أياً منهما. الأسلحة تُشترى والمعاهدات تنقضي، إلا أن التصعيد، في قراءة ديهل، لا يتحول إلى حرب من تلقاء ذاته، حيث أن قرارات القادة تبقى هي الحاسمة، ومن هنا تقوم فكرة الحرب العالمية الثالثة، حتى الآن، على خيارات لم تُتخذ بعد. وتلك الخيارات هي ما سيكتب عنه مؤرخو الغد.