ملخـص
بُنيت استراتيجية الإمارات للأمن السيبراني عبر سلسلة مترابطة من قرارات البنية التحتية شملت الحكومة والمدن الذكية، والبلوك تشين، والسحابة السيادية، ومنصة «يو إيه إي باس»، ومنظومات إدارة الأزمات، والمؤسسات الوطنية المختصة. عززت هذه الهندسة قدرة الدولة على الصمود وامتصاص الهجمات، لكنها وسّعت أيضاً سطح الانكشاف الرقمي، في وقت لا تزال فيه الحوكمة موزعة بين جهات اتحادية ومحلية متعددة. لذلك، تبدو المرحلة التالية مؤسسية أكثر منها تقنية: توحيد حوكمة الأمن السيبراني ضمن بنية واحدة، والاستفادة من موقع الإمارات المتقدم للدفع نحو إطار دولي ينظم الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية.
الملخص التنفيذي
حين عيّنت الإمارات وزيراً للذكاء الاصطناعي عام 2017، صاغت الاستجابة الدولية الأمرَ بوصفه دولة خليجية تسعى وراء الجِدة التكنولوجية. وما فات ذلك التأطير هو الاستراتيجية الكامنة تحته: خطة امتدت عقداً كاملاً لبناء دولة آمنة سيبرانياً تبلغ بنيتها التحتية من المتانة ما يكفي لاستيعاب تهديدات لم تتحقق بعد. فالمدن الذكية، واستراتيجية البلوك تشين الوطنية، والسحابة السيادية، ومنصة الهوية الرقمية، وجامعة الذكاء الاصطناعي — لم تكن مشاريع منفصلة. بل كانت مراحل خطة واحدة متسلسلة، تؤدي كل طبقة فيها وظيفة أمنية سواء سُوّقت بوصفها كذلك أم لا. والخطة تعمل بشكل قابل للتحقق. والسؤال الآن هو ما إذا كانت البنية المؤسسية التي تحكمها ستتماسك بالوتيرة التي يتطلبها محيط التهديد.
حين عيّنت الإمارات وزيراً للذكاء الاصطناعي عام 2017، سجّل معظم المراقبين الدوليين عنواناً عن دولة خليجية مستقبلية تسعى وراء التكنولوجيا الناشئة التالية. وما فاتهم هو الاستراتيجية الكامنة تحته.
فلم يكن التعيين بادرة منعزلة. بل كان المكوّن المرئي لخطة امتدت عقداً كاملاً لبناء دولة آمنة سيبرانياً ببنية تحتية صُممت لاستيعاب التهديدات قبل تحققها.
البناء قبل التهديد
-
في عام 2013، حين كانت مصطلحات مثل البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء لم تدخل بعد التداول العام، أطلقت الإمارات مبادرة الحكومة الذكية. وبدأت دبي بربط بنيتها التحتية المرورية — 408 إشارات مربوطة بعمليات الشرطة بحلول 2016 — وطوّرت استراتيجية للبلوك تشين ضمن رؤية دبي الرقمية الأوسع. واستهدفت استراتيجية الإمارات للبلوك تشين 2021 توفير 77 مليون ساعة عمل سنوياً بنقل المعاملات الحكومية إلى سجل موزع وآمن.
-
وكان لكل عنصر غرض بنيوي يتجاوز الكفاءة التشغيلية. فالمدن الذكية تعني أنظمة مركزية قابلة للمراقبة — كل مستشعر متصل عقدة يمكن تتبعها، وكل تيار بيانات نمط يمكن تحليله. وبنية البلوك تشين تعني سجلات مقاومة للعبث — معاملات حكومية لا يمكن تعديلها بأثر رجعي. والسحابة الوطنية تعني سيادة البيانات — بقاء المعلومات الحرجة داخل الولاية القضائية الوطنية لا على خوادم في ولايات خارج سيطرة القانون الإماراتي.
-
وبحلول الوقت الذي أُنشئ فيه مجلس الأمن السيبراني رسمياً عام 2020، كان الأساس التقني قد اندمج في البنية التحتية الوطنية. فكل طبقة تكنولوجية — سواء سُوّقت بوصفها تسهيلاً أو كفاءة أو ابتكاراً — كانت تؤدي وظيفة أمنية.
-
وينطبق المبدأ ذاته على منصة "يو إيه إي باس"، منصة الهوية الرقمية الوطنية. فعلى السطح، تبسّط المنصة المصادقة — نقرة واحدة تحل محل عشرات كلمات المرور للخدمات الحكومية. وبنيوياً، تلغي المنصة سطح التصيد الاحتيالي. فعندما تمر كل عملية دخول حكومية شرعية عبر مسار مصادقة واحد آمن تشفيرياً، تصبح النسخ الاحتيالية المزورة قابلة للكشف بطبيعتها. ولا يحتاج المواطن إلى التمييز بين صفحات الدخول الشرعية والمزورة — فالهندسة هي التي تحسم ذلك.
-
والنتائج تنفيذية. ففي مطلع 2024، أعلن مجلس الأمن السيبراني أن الأنظمة الوطنية أحبطت هجمات سيبرانية حاولت منظمات إرهابية تنفيذها. وقد فشلت الهجمات لأن البنية التحتية التي امتصتها بُنيت قبل سنوات من محاولة المهاجمين الاختراق. وهذا هو العائد من استراتيجية تعالج الأمن السيبراني لا بوصفه وظيفة مشتريات تقنية بل بوصفه وظيفة أمن وطني مدمجة في كل قرار بنية تحتية.
سطح الانكشاف
إن العمق الرقمي للإمارات هو نقطة ضعفها في آن. فقد صنّف تقرير سوك رادار 2022 الإماراتَ الدولةَ الأكثر استهدافاً في الشرق الأوسط لهجمات الويب العميق، مع تحديد الجهات الحكومية بوصفها القطاع الأكثر استهدافاً. ووجد التحليل ذاته أن 53 في المئة من نشاط الويب العميق في المنطقة يتعلق ببيع البيانات — بيانات اعتماد مسروقة، ووثائق حساسة، ووصول إلى قواعد بيانات حكومية.
والمنطق بنيوي: فكلما ازدادت رقمنة الدولة، اتسع سطح الهجوم الذي تقدمه. فكل إشارة مرور ذكية، وكل سجل بلوك تشين، وكل سجل مواطن مخزن سحابياً يمثل نقطة دخول محتملة. ووضعية الأمن السيبراني للإمارات متينة، لكن سطح التهديد لديها متسع بالتبعية. فالدولة هي ثاني أكثر دولة مستهدفة عالمياً بالهجمات السيبرانية بعد الولايات المتحدة، مع تعرض شركات الطاقة والجهات الحكومية بشكل خاص. وهذا التصنيف لا يعكس هشاشة بل حجم الجائزة الرقمية — وهو دالة على نجاح الاستراتيجية، لا على فشلها.
ويخلق هذا تحدياً محدداً لدولة يشكل غير المواطنين فيها 85 في المئة من السكان المقيمين، وفق بيانات صندوق النقد الدولي الديموغرافية. فتعني البنية الديموغرافية أن سطح الهجوم يشمل تعداداً سكانياً كبيراً ومتحركاً تتقاطع بصماته الرقمية مع البنية التحتية الوطنية. وتحدي الأمن السيبراني لا ينفصل عن التحدي الديموغرافي.
مشكلة التجزئة
كانت الاستجابة المؤسسية كبيرة لكنها موزعة. فمكتب وزير الذكاء الاصطناعي يطور الاستراتيجيات والبروتوكولات. وهيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية تسعى لجهود موازية من زاوية تنظيمية. ومجلس الأمن السيبراني يدير مبادراته الخاصة. وتحتفظ قوى الشرطة على مستوى الإمارات الفردية — شرطة دبي بمنصتها للجرائم الإلكترونية، وأبوظبي بنظام "عين الصقر" للمراقبة — ببرامج منفصلة للأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية.
فبنية حوكمة موحدة، موضوعة منطقياً تحت مجلس الأمن السيبراني، ستحوّل الجهود المتوازية إلى استراتيجية متماسكة. والمجلس يملك بالفعل رؤية عبر أجزاء كبيرة من البنية التحتية الرقمية. وتوحيد حوكمة الأمن السيبراني في تلك البنية — لا توزيعها عبر وزارات متعددة وكيانات على مستوى الإمارات — سيعالج الفجوات التي يستغلها الخصوم. فقد بُنيت البنية التحتية. والمهمة المتبقية هي توحيد بنية القيادة التي تؤمّنها.
البعد العالمي
حققت الإمارات مناعة محلية. وما يبقى غائباً — للإمارات ولغيرها من الدول — هو إطار تنظيمي عالمي للذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية.
رسم فلاديمير بوتين، في مقابلته مع تاكر كارلسون في فبراير 2024، المقارنة التاريخية: حين أدركت الدول أن الأسلحة النووية تهديد وجودي، تبع ذلك تنظيم عالمي مؤسسي — معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. وقد نشأ كل منها بعد أن أدرك المجتمع الدولي حجم الرهان. والذكاء الاصطناعي، كما يجري الحِجاج، يتطلب معاملة مماثلة قبل أن يُشغَّل بوصفه سلاحاً. وفي هذه النقطة تحديداً، يصعب الاعتراض على الحالة التحليلية.
وما يزال موقع الإمارات من تنظيم الذكاء الاصطناعي قيد التشكل. فقد اتخذت الدولة خطوات أولية — رخصة ترميز للذكاء الاصطناعي أُطلقت عام 2022، وإنشاء جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، واستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تستهدف 2031. غير أن التنظيم يبقى محلياً في الغالب بينما التهديد عابر للحدود بطبيعته. فسلاح سيبراني يُطلق من ولاية قضائية ضد أخرى لا يحترم الحدود الإقليمية. ولا ينبغي لإطار الحوكمة الذي ينظم استخدامه أن يحترمها أيضاً.
ووصفت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، في خطابها أمام القمة العالمية للحكومات 2024، قرار الإمارات عام 2017 بتعيين وزير للذكاء الاصطناعي بأنه أظهر "بصيرة رائعة" في وقت كانت معظم الدول منفصلة عن القضية. وكانت ملاحظتها التالية أعمق دلالة تحليلية: فالخطوة التالية للإمارات هي "أن تجلب بقية العالم معها". فالمناعة المحلية من دون إطار تنظيمي عالمي مقابل تعمل بوصفها حصناً بسياج غير مؤمّن.
كما شيّدت الإمارات بنية تحتية لإدارة الأزمات ذات دلالة تحليلية. فشبكة إدارة الأزمات الوطنية "آر 100"، المعلنة في قمة إدارة الأزمات والطوارئ 2023، تعمل عبر بنية تحتية سحابية وطنية تستخدم تحليلات البيانات الضخمة، وتوفر منصة موحدة لتنسيق الاستجابة للطوارئ عبر الجهات. ويوفر نظام "عين الصقر" في أبوظبي تغطية شاملة على مستوى العاصمة، مقدماً تحذيرات آنية ووصولاً سريعاً إلى الحوادث. وهذه الأنظمة ليست مشاريع تكنولوجيا معلومات. بل بنية تحتية للأمن الوطني منفذة في المجال الرقمي. وقد أكدت الهجمات السيبرانية الإرهابية المحبطة عام 2024 فعاليتها التشغيلية.
نهج الإمارات
ليس نهج الإمارات في الأمن السيبراني سردية تكنولوجية. بل هو استراتيجية أمن وطني منفذة عبر بناء البنية التحتية، والتطوير التشريعي، والتصميم المؤسسي، متسلسلة على مدى أكثر من عقد.
فبرامج المدن الذكية، واستراتيجية البلوك تشين، ووزارة الذكاء الاصطناعي، ومجلس الأمن السيبراني — لم تكن يوماً مشاريع مستقلة تسعى لأهداف مستقلة. بل شكلت مراحل هندسة واحدة: بناء البنية التحتية الرقمية، ثم تحصينها، ثم حوكمتها، ثم الدفاع عنها. وكل مرحلة بُنيت على سابقتها. ولم يُعلن عن أي منها بوصفها تدابير أمن سيبراني، رغم أن كل واحدة أدت تلك الوظيفة.
وتتطلب المرحلة التالية تطويرين: توطيد داخلي لحوكمة الأمن السيبراني تحت بنية مؤسسية موحدة واحدة، وقيادة خارجية في تشكيل إطار تنظيمي عالمي للذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية. فالبنية التحتية تعمل. والخطة تنتج نتائج بشكل قابل للتحقق. والتحدي المتبقي هو ضمان تطور البنية المؤسسية التي تحكمها بالوتيرة التي يتطلبها محيط التهديد — وضمان بناء دول أخرى أطراً مقارنة قبل تحقق الجيل التالي من التهديدات.